ابن كثير

237

البداية والنهاية

إلى ديان يوم الدين نمضي * وعند الله تجتمع الخصوم قال : فاستدعاه واستجعله في حل ووهبه ألف دينار وأطلقه . وقال الحسن بن أبي الفهم : ثنا محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة قال : دخلت على الرشيد فقال : ما خبرك ؟ فقلت : بعين الله ما تخفى البيوت * فقد طال التحمل والسكوت فقال : يا فلان مائة ألف لابن عيينة تغنيه وتغني عقبه ، ولا تضر الرشيد شيئا . وقال الأصمعي : كنت مع الرشيد في الحج فمررنا بواد فإذا على شفيره امرأة حسناء بين يديها قصعة وهي تسأل منها وهي تقول : طحطحتنا طحاطح الأعوام * ورمتنا حوادث الأيام فأتيناكم نمد أكفا * نائلات لزادكم والطعام فاطلبوا الاجر والمثوبة فينا * أيها الزائرون بيت الحرام من رآني فقد رآني ورحلي * فارحموا غربتي وذل مقامي قال الأصمعي : فذهبت إلى الرشيد فأخبرته بأمرها فجاء بنفسه حتى وقف عليها فسمعها فرحمها وبكى وأمر مسرورا الخادم أن يملا قصعتها ذهبا ، فملأها حتى جعلت تفيض يمينا وشمالا . وسمع مرة الرشيد أعرابيا يحدو إبله في طريق الحج : أيها المجمع هما لا تهم * أنت تقضي ولك الحمى تحم كيف ترقيك وقد جف القلم * حطت الصحة منك والسقم فقال الرشيد لبعض خدمه : ما معك ؟ قال : أربعمائة دينار ، فقال : ادفعها إلى هذا الأعرابي . فلما قبضها ضرب رفيقه بيده على كتفه وقال متمثلا : وكنت جليس قعقاع بن عمرو * ولا يشقى بقعقاع جليس فأمر الرشيد بعض الخدم أن يعطي المتمثل ما معه من الذهب فإذا معه مائتا دينار . قال أبو عبيد إن [ أصل ] هذا المثل أن معاوية بن أبي سفيان أهديت له هدية جامات من ذهب فرقها على جلسائه وإلى جانبه قعقاع بن عمرو ، وإلى جانب القعقاع أعرابي لم يفضل له منها شئ . فأطرق الأعرابي حياء فدفع إليه القعقاع الجام الذي حصل له ، فنهض الأعرابي وهو يقول : وكنت جليس قعقاع بن عمرو إلى آخره . وخرج الرشيد يوما من عند زبيدة وهو يضحك فقيل له مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : دخلت اليوم إلى هذه المرأة - يعني زبيدة - فأقلت عندها وبت ، فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصب ، قالوا : هذه ثلاثمائة ألف دينار قدمت من مصر ، فقالت زبيدة : هبها لي يا بن عم ، فقلت :